السبت، 10 أكتوبر، 2009

الطّبقة الوسطى في تونس عنوان التحديث والرقي

سعيد بحيرة

التجمع الدستوري الديمقراطي هو حزب الطبقة الوسطى بامتياز لأنه وريث الحزب الحرّ الدستوري الذي نشأ في سياق التحوّلات التي عرفتها تونس في بداية القرن العشرين ثم شهد تحوّلا جذريا سنة 1934 اثر بروز قيادة شابة جديدة انبثقت من الفئات الاجتماعية المتوسطة والمتضررة من السياسة الاستعمارية، وكانت الشرائح الوسطى للمجتمع تشكّل العمود الفقري لهذا الحزب وقد غذّته بالمناضلين والقياديين على مرّ الزمن وأضفت عليه حيوية دائمة مستمدة من طبيعة هذه الشريحة وتطلعاتها. ورغم التفاعل والإنفتاح الكبيرين على الفئات الشعبية الاّ أنّ الطبقة الوسطى كانت ولازالت هي محور حركة الحزب وسياسته.
وانعكس هذا التمشي على سياسة الدولة الوطنية التي جعلت من أسس توجهاتها بناء هرم اجتماعي متوازن يتجه الى الضغط على نسبة الفقراء في المجتمع والحد من الاستئثار بالثروة حتى أنه أشيع أن الوزير الاول الهادي نويرة شبّه المجتمع التونسي بشكل «المقروضة» حيث يكون وسطه هو مركز الثقل.
وقد تدعّم هذا الخيار التنموي في عهد التغيير منذ سنة 1987 رغم التحوّلات الكبرى التي طرأت على اقتصاديات العالم حتى على النظريات الاجتماعية. وأصبح الحديث عن الطبقات التقليدية المكونة للمجتمع محلّ تساؤل وشك : فهل يمكن اليوم اعتماد التصنيف الطبقي للنظرية الماركسية سواء في البلدان المصنعة أو البلدان الاخرى؟ لقد أصبح هذا الأمر في عداد الماضي وشهدت المجتمعات تغيرات هامة جعلت الحدود بين الطبقات غير واضحة ودقيقة... وتفاعلا مع ذلك شهد المجتمع التونسي في عهد الرئيس زين العابدين بن علي حركية اجتماعية من نمط جديد اعتمدت بالاساس على توسيع الطبقة الوسطى التي كانت تتجاذبها الطموحات في الصعود الى الأعلى والمخاطر المهددة بالنزول الى الاسفل في السلم الاجتماعي وبرزت سياسة اجتماعية واقعية أساسها منح أكبر الفرص للتمتع بخيرات التنمية وبلوغ مرتبة الرفاه وهو ما يكسّر الطوق الذي ظل يحيط بالطبقة الوسطى وما يكتنفه من أوهام الصعود والنزول. لقد تغيّرت الديناميكية الاجتماعية لفسح المجال للاستحقاق ولتوفير مقتضيات الرقيّ الاجتماعي وهذه ليست ظاهرة كونية وإنما هي ظاهرة مرتبطة بالظرفية الاجتماعية المتحركة والمتطلعة الى التقدّم.
وقد عرفتها البلدان المصنعة نفسها وكذلك البلدان الصاعدة أو البلدان التي أفلتت من قيود الاشتراكية التقليدية كالصين. ونتيجة لذلك توسعت الطبقة الوسطى واكتسحتها تطلعات جارفة لبلوغ الرخاء واستندت في ذلك الى فرص الشغل المتجددة وأنواع العمل الجديدة والتسهيلات المالية الواسعة والتخلص من عقدة الإنكماش والخوف من المجهول. ولو تقع مقارنة المشهد الاجتماعي بين سنة 1987 و2009 فاننا سنتبيّن أن الطبقة الوسطى فسحت المجال الى شريحة هامة للالتحاق بها وانفتحت على أسفلها لتنتشل المتطلعين والطموحين وهو ما دعم هذه الطبقة التي تشكّل عنصر استقرار قوي للمجتمع ومحركا أساسيا له وصمام أمان ثمين أمام عديد المخاطر. فالأمر لا يتعلق بمستوى العيش وبلوغ مستوى مادي أفضل بقدر ما يتعلق أيضا بنشر مجموعة من القيم التقدمية والطلائعية كفيلة بالمحافظة على مكاسب هذه الطبقة والوقوف أمام أي تراجع عنها. فهذه الطبقة تحتضن أعلى نسب المتعلمين والمثقفين وهي الاكثر تعلقا بمبادئ المساواة والاستحقاق وتثمين المجهود الفردي والجماعي واعتماد الجديّة والمثابرة حتى أن تيّارات النقد والمطلبيّة والتمسك بالحقوق المدنية لا تنتعش الا داخلها في صلب الجمعيات والمنظمات والشبكات المتسعة من العلاقات المتنوعة الظاهرة والإفتراضية.
وبهذه الصورة فانّ الطبقة الوسطى اليوم تحمل لواء الطموح الى الرقي والتقدم والإنحياز الى التحرر في كل معانيه وهي تصمد بكفاءة كبيرة أمام محاولات الإرتداد عن المكاسب الحضارية التي تتصل بموقع المرأة ومكاسب الشباب ومحتوى برامج التعليم وهي حامية الهوية الحضارية للمجتمع لأنها تساهم بقسط وافر في تشكل الثقافة الوطنية ونشر المعرفة. ولكن كلّ هذه الخصال لا يمكن أن تخفي عنا بعض التذبذب والتردد الذي يسود جزءا هاما من الطبقة الوسطى وهو ناتج أساسا عن التغيّرات التي تطرأ بصفة فجئية أو بصورة عنيفة داخل المنظومة الاقتصادية الخاضعة لقوانين تتجاوز الحدود الوطنية ومع ذلك فقد نجحت تونس في حماية هذا المكسب الاجتماعي الذي تكاد تنفرد به في البلدان الصاعدة والذي أصبح عنوان التحديث والنمو والتمسك بالهوية الوطنية للبلاد. ولا شك أن الطبقة الوسطى تستحقّ الدعم والرعاية لتحافظ بإيجابية على ما حققته من نتائج باهرة في مجال التعليم والتكوين والذي أعطى لأبنائها فرصة حمل الشهائد العليا والمهارات العالية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق