السبت، 10 أكتوبر، 2009

الحفاظ على الطبقة الوسطى.. خيار اجتماعي في تونس

بقلم: سليم الكراي


أعلن الوزير الأول السيد محمد الغنوشي أن قاعدة الطبقة الوسطى في تونس «تبلغ اليوم نسبة 81 بالمائة» وقال إن ذلك «جاء أساسا نتيجة سياسة تثمين الموارد البشرية حيث أن نسبة 7،5 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي تخصص إلى قطاعات التربية والتكوين. وكذلك نتيجة سياسة تحسين الدخل والتغطية الاجتماعية التي مكنت من ارتفاع نسبة التونسيين الذين تشملهم خدمات التغطية الاجتماعية إلى 95 بالمائة..».
في نفس الوقت أعلنت الوزارة الأولى في بلاغين منفصلين عن تفاصيل الزيادة في الأجر الصناعي المضمون وعن زيادات في المنح المخصصة للفئات محدودة الدخل والمعوزة.
وتنم هذه التوجهات عن إرادة تونسية واضحة في الحفاظ على خيارها المتمثل في دعم الطبقة الوسطى وهي ميزة انفرد بها المشروع المجتمعي بتونس إذ ومنذ عقود والبلاد تعمل على تدعيم الفئات الوسطى، والنهوض بقدراتها الانفاقية والاجتماعية من حيث توسيع مظلة التغطية الصحية ومن حيث نشر التعليم في مختلف المراحل، ومن حيث دعم توجه التكوين لمساعدة الشباب وحاملي الشهادات على الظفر بشغل لدرء هاجس البطالة.
كيف تبدو ملامح السياسة الاجتماعية في تونس، وما هو المعنى وما هي الدلالات التي تسعى تونس إلى استخلاصها من هذا التوجه الاجتماعي والإنساني لنمطها المجتمعي؟
في البداية ولفهم هذه التوجهات لا بد من النظر في السياسة الاجتماعية لتونس التي تنبع من الإرادة الإنسانية للرئيس بن علي الذي يعتبر هذه الفئة صمام الأمان والضامن الأساسي لتماسك البناء المجتمعي في البلاد. فهو لذلك أفردها بإصلاحات متتالية وبإجراءات متناسقة هدفها تقوية النسيج الاجتماعي حفاظا على الاستقرار في تونس. ذلك أن كل المراقبين والمحللين في مختلف المستويات السياسية والأكاديمية والعلمية يعتبرون أن هذه الطبقة هي الضامنة الحقيقية للاستقرار الأمني والاجتماعي وهي المساعدة على تحقيق التطور الاقتصادي.
ولعل تلازم البعدين الاقتصادي والاجتماعي في كل المخططات التنموية بتونس هو الوصفة الرئيسية التي مكنت البلاد من النجاح في إرساء قاعدة داعمة لهذه الفئة والمساعدة على نموها في توازن متواصل بعيدا عن التقلبات الاقتصادية وتأثيراتها الاجتماعية. كما أن هذا التلازم هو الذي ساعد على الارتقاء الاجتماعي بكافة الفئات الاجتماعية وخاصة الطبقة الوسطى التي بلغت نسبة 81% من مجموع سكان تونس حسب المسح الوطني حول انفاق واستهلاك الأسر لسنة 2005 الذي أعده على أسس علمية مدروسة ووفق عينات مضبوطة المعهد الوطني للإحصاء.
ولتحقيق هذه الأهداف عملت السياسة التونسية على إتباع مخططات مضبوطة تسعى إلى تحقيق التوازنات في كل أبعادها الاجتماعية، (الصحية، والتربوية، والتشغيل) والإنسانية (حقوق الإنسان بما فيها الحق في الشغل، والصحة، والتعليم، والتغطية الاجتماعية، والحق في التعبير).
كما رسمت لتحقيق هذه الأهداف عدة محطات تعتبر أساسية للوصول إلى توازن هذه الطبقة من حيث التوفيق بين ما هو اجتماعي وبين ما هو اقتصادي. هذه المحطات تضمنتها برامج العمل والمخططات التنموية والإصلاحات الجوهرية والمرحلية والتي تتمحور كلها حول الإنسان كغاية ووسيلة. ويمكن أن نستعرض البعض من هذه المحطات في النقاط التالية:
- التشغيل وهو يعتبر الدعامة الأساسية لهذه الطبقة التي تسعى إلى ضمان توازنها بفضل المزيد من تحقيق النتائج الإيجابية وفي توفير موارد الرزق لكل الفئات وخاصة لفئة الشباب خاصة وأن التشغيل يعتبر واحدا من أكبر الرهانات التي تجابهها المجموعة الوطنية في تونس.
- وعندما نتحدث عن التشغيل نعني أساسا الموارد البشرية التي تتطلب تنميتها ضبط الخطط وتوفير الإمكانيات من أجل الحفاظ على سلامتها وضمان استمراريتها بنفس القدر من المردودية والنجاعة والفاعلية. لذلك اعتنت تونس بسياسة الأجور، وبالتغطية الصحية وبالسلامة المهنية ونظمت الاستشارات والورشات التفكيرية حول الإنتاجية.
- هذه المقومات هي التي تساعد على خلق الثروة في المجتمع. وعندما تخلق الثروة لا بد من ضمان توزيعها العادل في توافق وانسجام بين البعدين الاقتصادي والاجتماعي أي مكافأة الإنسان حسب قدراته وإسهاماته في البناء والنمو. وهي سياسة تضمن الاستقرار الاجتماعي في البلاد وتساعد على النمو، وتحفظ سلامة التوازنات الاجتماعية، وتدعم حظوظ الطبقة الوسطى.
- الارتقاء بظروف عيش المواطنين وتمكينهم من مقومات الحياة اللائقة ليس في بيئة سليمة فقط بل في مرافق صحية ضرورية، وفي آليات تربوية ناجعة وعملية، وفي مسالك للتشغيل تضمن التوازن بين التكوين والتعليم والتشغيل. وبفضل هذه السياسة الاجتماعية السليمة صنفت تونس الأولى في البلدان العربية في جودة الحياة، وكذلك احتلت مكانة مرموقة في باقي التصنيفات الأخرى.
- والاعتناء بالطبقة الوسطى وتحسين الاهتمام بها لا يعني أن البلاد تتغافل عن باقي الفئات الاجتماعية الأخرى. وفي هذا الإطار تميزت السياسة الإصلاحية في تونس بتركيزها على الفئات ذات الاحتياجات الخصوصية التي نراها دائما محل إحاطة ورعاية في المناسبات الدينية والوطنية ذات الابعاد الاجتماعية او خلال الاحداث الطارئة المرتبطة بعوامل المناخ.
وآخر هذه المناسبات ما تم الإعلان عنه بخصوص الزيادة في الأجر الأدنى الصناعي المضمون ثم الإعلان أيضا عن الزيادة في منح الفئات ذات الاحتياجات الخصوصية في لفتة تضامنية واضحة ومستمرة لهذه الشريحة التي تقلص عددها كثيرا في تونس.
وقد اختارت تونس الحفاظ على طبقتها الوسطى لعدة اعتبارات وبفضل عدة إجراءات تمكنت من إسناد هذه الطبقة ودعمها لتحتل مكانة مرموقة في المجتمع.
فقد اتبعت تونس سياسة سكانية رائدة ميزتها عن باقي المجتمعات الأخرى وخاصة منها المجتمعات العربية. وبفضل هذه السياسة الديموغرافية الرائدة والصائبة تمكنت من الضغط على النمو السكاني وعلى التوسع الكبير لعدد السكان مما كان له الأثر الطيب على باقي المؤشرات التنموية الأخرى.
كما اعتمدت تونس سياسة فريدة في ضبط أجور متوازنة ومدروسة وفق إمكانيات البلاد والمؤسسات بحيث اعتمدت زيادات ثلاثية تسعى إلى الحفاظ على القدرة الانفاقية للأفراد والمجموعات ولكنها أيضا لا تستنزف إمكانيات المؤسسات وقدرتها على النمو والتواصل والاستمرار.
وبفضل إصلاحاتها التربوية والمساواة بين المرأة والرجل تمكنت تونس من استغلال كل المهارات والقدرات البشرية بصفة متساوية بعيدا عن الإقصاءات التي نلاحظها في بعض المجتمعات الأخرى بالنسبة للمرأة.
كما سلكت تونس نموذجا ناجحا في تمكين العائلات من نمط عيش كريم تتوفر فيه كل المقومات الإنسانية من مسكن لائق، وصحة وتربية عادلة ودخل قار، وترفيه مضمون وبيئة سليمة تضمن كلها عيشا مريحا للعائلات التونسية التي أصبح كل أفرادها ينعمون بالعيش المتوازن والسليم.
وقد اختارت تونس هذا التمشي خلال العقود الماضية والذي أثبت جدواه وظهرت نجاعته، وهي لذلك أقرت التواصل والاستمرار على نفس النسق وفي إطار نفس المنهج في المرحلة القادمة، والتي تدخلها البلاد من الباب الكبير في خريف هذا العام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق